فخر الدين الرازي
20
تفسير الرازي
على حكم العقد ، وهذا وإن كان قد التزمه الكرخي لكنه مدفوع بالدليل القاطع ، وذلك لأن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزول هذه الآية هو أنهم كانوا يتزوجون بأزواج آبائهم ، وأجمع المسلمون على أن سبب نزول الآية لا بد وأن يكون داخلا تحت الآية ، بل اختلفوا في أن غيره هل يدخل تحت الآية أم لا ؟ وأما كون سبب النزول داخلا فيها فذاك مجمع عليه بين الأمة ، فإذا ثبت باجماع المفسرين ، أن سبب نزول هذه الآية هو العقد لا الوطء ، وثبت باجماع المسلمين أن سبب النزول لا بد وأن يكون مراداً ، ثبت بالاجماع أن النهي عن العقد مراد من هذه الآية ، فكان قول الكرخي واقعا على مضادة هذا الدليل القاطع ، فكان فاسداً مردودا قطعا . أما الوجه الثاني : مما ذكروه وهو أنا نحمل لفظ النكاح على مفهوميه ، فنقول : هذا أيضا باطل ، وقد بينا وجه بطلانه في أصول الفقه . وأما الوجه الثالث : فهو أحسن الوجوه المذكورة في هذا الباب ، وهو أيضاً ضعيف لأن الضم الحاصل في الوطء عبارة عن تجاور الأجسام وتلاصقها ، والضم الحاصل في العقد ليس كذلك لأن الايجاب والقبول أصوات غير باقية ، فمعنى الضم والتلاقي والتجاور فيها محال ، وإذا كان كذلك ثبت أنه ليس بين الوطء وبين العقد مفهوم مشترك حتى يقال : إن لفظ النكاح حقيقة فيه ، فإذا بطل ذلك لم يبق إلا أن يقال : لفظ النكاح مشترك بين الوطء وبين العقد ، ويقال : إنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر ، وحينئذ يرجع الكلام إلى الوجهين الأولين ، فهذا هو الكلام الملخص في هذا . الوجه الثاني : في الجواب عن هذا الاستدلال أن نقول : سلمنا أن النكاح بمعنى الوطء ، ولكن لم قلتم : إن قوله : * ( ما نكح آباؤكم ) * المراد منه المنكوحة ، والدليل عليه إجماعهم على أن لفظه " ما " حقيقة في غير العقلاء ، فلو كان المراد منه ههنا المنكوحة لزم هذا المجاز ، وإنه خلاف الأصل ، بل أهل العربية اتفقوا على أن " ما " مع بعدها في تقدير المصدر ، فتقدير الآية : ولا تنكحوا نكاح آبائكم ، وعلى هذا يكون المراد منه النهي عن أن تنكحوا نكاحا مثل نكاح آبائكم ، فان أنكحتهم كانت بغير ولي ولا شهود ، وكانت موقتة ، وكانت على سبيل القهر والالجاء ، فالله تعالى نهاهم بهذه الآية عن مثل هذه الأنكحة ، وهذا الوجه منقول عن محمد بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية . الوجه الثالث : في الجواب عن هذا الاستدلال : سلمنا أن المراد من قوله : * ( ما نكح آباؤكم ) * المنكوحة ، والتقدير : ولا تنكحوا من نكح آباؤكم ولكن قوله : من نكح آباؤكم ليس صريحا في العموم بدليل أنه يصح إدخال لفظي الكل والبعض عليه ، فيقال : ولا تنكحوا كل ما نكح آباؤكم ولا تنكحوا بعض من نكح آباؤكم ، ولو كان هذا صريحا في العموم لكان إدخال لفظ